حيدر حب الله
334
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
الطوسي هي القادرة على جمع الأخبار كلّها ، بل عنده هي « وسط بين ذينك القولين ، وخير الأمور أوسطها » « 1 » . ويطابق كلام البحراني كلام الشيخ الأخباري نعمة اللّه الجزائري ( 1112 ه ) من قبل ، حيث يذهب في كتابيه « منبع الحياة » و « نور البراهين » إلى تأييد كلام الطوسي وترجيح كلام الأصوليين على الأخباريين صراحة « 2 » . وإذا ما رجعنا بالذاكرة إلى نظرية التبيان وجدناها قريبة بل مطابقة لما تقوله المدرسة الأصولية ، وهذا معناه أن البحراني الذي كان قد عدّ موضوع الظهور القرآني أهم الفروق بين المدرستين عاد وطابق المدرسة الأصولية ، مما يدفعنا إلى التوقّف والاستغراب قليلا . هل كان البحراني متناقضا في بداية كلامه ونهايته ؟ كيف يدافع عن مقولة الأخباري ثم يؤيّدها بعد صفحات ؟ إن مسلسل بحثه هذا متطابق في كتابيه « الدرر النجفية » و « الحدائق » مما يبعد أي احتمال في السهو أو الغفلة عنه ، فكيف يمكننا فهم كلامه ؟ هل كان الطوسي وفق تقسيمه الرباعي أخباريا أم أن أصوليي العصر الحديث أقل إفراطا في استخدام العقل من أتباع المدرسة الأصولية ما قبل الأخبارية ؟ ! أسئلة سوف نعود إليها في نهاية حديثنا عندما نجيب عن سؤال : هل كان هناك فرق حقيقة بين الأخباري والأصولي في موضوع مرجعية النص القرآني ؟ وعلى أية حال ، وبهذه المتابعة التاريخية ، لاحظنا كيف تولّدت فكرة هدم الظهور القرآني لصالح فكرة « السنّة فقط » ، وكيف تطوّرت ونمت لتبلغ في نهاية المطاف مرحلة توافقية في مدرسة الأصول العقلانية ، ولن يكون بإمكاننا مراجعة آثار هذا المشروع الأخباري حتى عصرنا الحاضر إلا إذا رصدنا تطوّرات ردّ الفعل الأصولي على هذا المشروع ، حينذاك يكون بالإمكان الخروج بحصيلة عن المسار التاريخي لنظرية « السنّة فقط » ، ونقدر حينئذ على الجواب عن السؤال المذكور أعلاه . التجربة الأخبارية وتطوّر التفسير الروائي كان من الطبيعي - بعد تشييد الأخباريين نظرية « السنّة فقط » - أن ينحسر التفسير الاجتهادي للقرآن الكريم وتنمو - في المقابل - التفاسير التي تقوم على السنّة والحديث ، لأنّ هذه هي النتيجة الطبيعية للمناخ الأخباري عندما يحكم مجتمعا بنظريّتي « يقينية السنّة » و « السنّة فقط » ، إلى جانب رفض الإجماع والعقل . . .
--> ( 1 ) - البحراني ، الدرر النجفية 2 : 351 . ( 2 ) - الشيخ نعمة اللّه الجزائري ، منبع الحياة : 44 ، 48 - 52 ؛ وله أيضا : نور البراهين 1 : 181 - 189 .